الجصاص

300

أحكام القرآن

والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأن الناس كلهم فيها سواء ، وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى : ( والمسجد الحرام ) للحرم كله . وقد روي عن قوم إباحة بيع بيوت مكة وكراؤها ، وروى ابن جريج عن هشام بن حجير قال : كان لي بيت بمكة فكنت أكريه ، فسألت طاوسا فأمرني بأكله . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء : ( سواء العاكف فيه والباد ) قالا : " سواء في تعظيم البلد وتحريمه " . وروى عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ قال : " اشترى نافع بن عبد الحارث دار السجن لعمر بن الخطاب من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة درهم " ، زاد عبد الرحمن عن معمر : " فأخذها عمر " . وقال أبو حنيفة : " لا بأس ببيع بناء بيوت مكة وأكره بيع أراضيها " ، وروى سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قال : " أكره إجارة بيوت مكة في الموسم وفي الرجل يقيم ثم يرجع فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسا " . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن بيع دور مكة جائز . قال أبو بكر : لم يتأول هؤلاء السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا والاسم شامل له من طريق الشرع ، إذ غير جائز أن يتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف ، ويدل عليه قوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) [ التوبة : 7 ] والمراد فيما روى : الحديبية ، وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم ، وروي أنها على شفير الحرم . وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم " ، وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ههنا الحرم كله ، ويدل عليه قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) [ البقرة : 217 ] ، والمراد اخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة ، فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم . ويدل على أن المراد جميع الحرم كله قوله تعالى : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ، والمراد به انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه . وإذا ثبت ذلك اقتضى قوله : ( سواء العاكف فيه والباد ) تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام به . فإن قيل : يحتمل أن يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته . قيل له : هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته ومن تساويهم في سكناه والمقام به ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه لأن لغير المشتري سكناه كما للمشتري فلا يصح للمشتري تسلمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك ، وهذا يدل على أنه غير